محمد سعيد رمضان البوطي
370
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ومن هنا تعلم أن ميلاد انشطار الأمة الإسلامية إلى شطريه : السني والشيعي ، إنما بدأ في هذه الفترة ، وأن ذلك إنما تمّ على يد عبد اللّه بن سبأ . وهذا بقطع النظر عن الأذى أو الظلم الذي حلّ بآل البيت أو بشيعتهم بعد ذلك على يد الأمويين وغيرهم . المهم أن أيا من هذين الواقعين اللذين يدخلان في ألف باء الحقائق التاريخية ما ينبغي أن ينسينا الواقع الآخر . رابعا - مرة أخرى ينبغي أن نتبيّن حقيقة العلاقة التي كانت قائمة بين عثمان وعليّ في مدة هذه الخلافة الثالثة ، وحقيقة الموقف الذي كان يقفه عليّ من عثمان رضي اللّه عنهما . لقد رأيت أن عليا رضي اللّه عنه بادر إلى مبايعة عثمان بالخلافة ، بل لقد ذهب كثير من المؤرخين ، كما قال ابن كثير إلى أنه كان أول المبايعين له . . ثم رأيت كيف قال عليّ لعثمان - وقد سمع بالحشد الذي توجه به عبد اللّه بن سبأ إلى المدينة ليؤلب الناس عليه - : أنا أكفيك شرهم ، فانطلق إليهم رضي اللّه عنه ووافاهم عند الجحفة ، فردّهم وأنّبهم وشتمهم ، فرجعوا وهم يلومون أنفسهم ، وقال بعضهم : هذا الذي تحاربون الخليفة بسببه وتحتجّون به عليه ؟ ! « 4 » ولقد رأيت كيف كان يمحضه النصح في شفقة بالغة وغيرة صادقة وكيف وقف إلى جانبه إلى آخر لحظة ، ورأيت كيف جنّد ابنيه الحسن والحسين لحراسته من أولئك الذين أحدقوا به . إذن ، فلقد كان عليّ خير دعامة لعثمان في خلافته ، وكان خير نصير له في محنته ، وما قسا عليه أخيرا في النصح إلّا حبا له وغيرة عليه . فاعلم هذا جيدا ، لتعلم أن عظيما من الناس كعليّ ينبغي أن يكون إنسان عين كل مؤمن باللّه ورسوله ، وأن يكون مهوى فؤاد كل إنسان سويّ في إنسانيته وشعوره . وإنما دليل الحب صدق الاتباع والاستقامة على الاقتداء . وقد كانت هذه هي سيرة علي رضي اللّه عنه ، مع من كان قبله من الخلفاء ، فلتكن سيرته خير قدوة لنا ، وأبلغ بيان يعبر عن صادق حبنا له .
--> ( 4 ) البداية والنهاية : 7 / 171